صديق الحسيني القنوجي البخاري
78
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة : معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، وهذا على مذهب الأكثرين من الفقهاء والمحدثين من أن الاستعاذة تطلب قبل القراءة ، وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن ، ومثله إذا أكلت فقل بسم اللّه . قال الواحدي : وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا : الاستعاذة بعد القراءة ذهبوا إلى ظاهر الآية ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وداود الظاهري . وأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار إنها قبل القراءة كما تقدم ، ومعنى فاستعذ باللّه اسأله سبحانه أن يعيذك مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا ، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعادة عند القراءة من هذا القبيل . وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة أولى كذا قيل وتوجيه الخطاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للأشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته ، فكيف بسائر أمته ، قال السيوطي في الآية ، أي قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم انتهى . وهذا بيان للأفضل وإلا فأصل السنة يحصل بأي صيغة كانت من صيغ الاستعاذة ، وقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب ، وروي عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 99 إلى 103 ] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) والضمير في إِنَّهُ للشأن أو للشيطان لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ أي تسلط تعليل لمحذوف هو جواب الأمر تقديره فإن استعذت كفيت شره عَلَى إغواء الَّذِينَ آمَنُوا وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة وقالوا المعنى ليس له حجة على المؤمنين في أغوائهم ودعائهم إلى الضلالة . وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل فإن الإيمان